تصويــت
هل تؤيد رفع سعر الخبز لمواجهة عجز الموازنة
 
 
ثقافة وفنون "الأمريكان في بيتي".. العراق بين مطرقة الاحتلال وسندان الظلامية

"الأمريكان في بيتي".. العراق بين مطرقة الاحتلال وسندان الظلامية

رشا عبدالله سلامة

ع.جو- بِقدر ما أفلح عنوان رواية العراقي نزار عبد الستار "الأمريكان في بيتي" في لفت انتباه القارئ وشدّه لاقتناء الرواية، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بقدر ما أوصله لنتيجة مفادها أنه ما كان إلا طُعما لاستدراجه، ليتفرّع من تلك المشاهد القليلة لوجود الأميركان في بيته إلى ميادين واسعة في القضية العراقية، ليس أقلها نهب الآثار، والفتك بالجوانب الثقافية والتنويرية كلها على أيدي الظلاميين،وتعقّب جهات كثيرة للعراقيين في المنفى تماما كما الوطن.

 فرادة الرواية لا تكمن في حواراتها المختزلة الذكية ولغتها الرشيقة السلسة ومقدرتها على تكثيف المشهد العراقي ضمن 207 صفحات فحسب، بل وبِبُعدها عن الشعاراتية في مناصبة العداء للأميركان، إلى حد قد يخال فيه القارئ، للوهلة الأولى، بعض المشاهد دعوة صريحة للتعايش والتسامح مع المحتل، غير أن قراءة ثانية تتكفّل بتوضيح موقف بطل الرواية وكاتبها.

ربط الواقعي بالمتخيّل، كان السمة الأبرز للرواية، الموزعة ضمن فصول قصيرة مريحة للقارئ، كذلك هي المقدرة العالية على سبر غور نفسية الشخصيات، حتى الأعداء منهم كما فعل حين سلّط الضوء على تناقضات الشخصية الأميركية التي تتجبّر بعراقيين وممتلكاتهم فلا تلبث بعدها أن تقدم التعويض المادي عن طيب خاطر وبمبادرة شخصية، والبحث في ما وراء الحدث أيضا لا سيما حين كان التفريق واضحا، بل ودقيقا، بين الجُرم الذي يقترفه المحتل الأميركي والجُرم الذي يقترفه الظلامي أو "الإرهابي"، بحسب مصطلح الأميركان، والجُرم المشترك بينهما.

تعويل الراوي على المثقف في التغيير، يوازي، في "الأمريكان في بيتي"، استهداف الظلاميين لهم؛ إذ يناضل بطل الرواية الصحفي جلال، بإيعاز من "الدومنيكوس"، المنظمة السرية التي لها باع طويل في العمل الخيري خفية، لإعادة تدشين العروض في سينما الأندلس، ولإعادة الحياة الثقافية لقصر بني، ولإعادة الوثائق العبرية المتعلقة بالنبي ناحوم والتي استولى عليها الأميركان، ولإعادة الثقافة والمثقفين إلى واجهة الحدث برغم الخطر المحدق بهم والمتمثل بالتفجيرات والاغتيالات والخطف.

النموذج النسائي في رواية عبد الستار كان منحازا لعشيقة جلال الصحفية مناسك: تلك الواعية المنفتحة، وإن اضطُرت انصياعا للظروف العامة للتسربل برداء المحافظة، بل إنه جعل من رمزية ارتدائها قلادة الملكة شمشو، التي يتنازع عليها تجار الآثار والاحتلال الأميركي، تنصيبا لها كممسكة بزمام العراق القادم، الحرّ من الاحتلال والظلاميين على السواء. في مقابل مناسك، كانت حنان، زوجة جلال التي تمثل المرأة العربية التي سحقها التخلف الفكري، وإن كانت منتمية لعائلة مرموقة اجتماعيا، ما دفع الراوي لتهميشها منذ البداية، مقابل فرض مناسك وفكرها وممارساتها بإصرار لافت، وإن كان القارئ سينحاز لها أيضا لو تُرِك له الخيار.

 ثمة وقائع تتقاطع في البلدان المحتلة كلها، على أيدي قوى خارجية كما إسرائيل وأميركا أو على أيدي الطغاة من أبناء البلاد نفسها، وهي التي تجلّت بكثافة في مطلع الرواية حين عَرَض الراوي إرهاصات الاحتلال وتداعياته على النفسية العراقية وفكرها وحتى قيمها الإيجابية التي كانت من نافلة القول إبان الرخاء والاستقرار الذي كانت تحظى به تلك البلاد يوما، غير أن عبد الستار لم يتنبّه لهذه النقطة تحديدا وحساسيتها، حين جعل المُترجم الأميركي من أصل فلسطيني منحازا بشكل كلّي للمحتل الأميركي، بل وناطقا باسمه وباستماتة أكثر من تلك التي بدت على المترجم اللبناني، بدلا من ربط الاحتلالين حتى لو على صعيد التلميح !

الرواية، التي انتهت برمزية الأمل في غد عراقي أفضل، افتقرت للشجن العراقي على صعيد الأكلات والزيّ الشعبي والغناء، حتى وإن تم التعريج على أسماء أكلات ومطربين بشكل عابر أشبه بالخلاص من مهمة ثقيلة، إلا أن القارئ الذي خرج مفعما بالرضا من عمل أدبي على سوية عالية، لم يخرج ثَمِلا بالشجن العراقي الذي كان ينتظره.

اضف تعليق

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين
ترحب ع بتعليقات القراء حول المواد المنشورة، بما يساهم بإيصال صوت الرأي العام لصناع القرار، و بما يساهم أيضاً في رفع سقف الحرية، و جعل المواطن شريكاً في صنع مستقبله، من خلال إيصال رأيه بحاضره.
للاطلاع على سياسة نشر التعليقات يرجى زيارة الرابط التالي: سياسة نشر التعليقات

 

 
 
 
 
المرقاب
اختيارات القراء