حزامة حبايب.. ملكة لن تنام

LOL 
غبي 

حزامة حبايب.. ملكة لن تنام

حزامة حبايب.. ملكة لن تنام

رشا عبد الله سلامة

 

ع.جو- "تخيط شقيقاتي فساتين للدمى من بقايا أقمشة تعطيها أمي لهن، مخلّفات بعض الإبر والدبابيس على البلاطات، فتغزّ أقدامنا الحافية لنضع ختم وجودنا بالدم على أرض ليست لنا"...

 

ليس بالدم وحده وضعت الروائية الفلسطينية حزامة حبايب ختم وجودها على أرض ليست لها، كما تصف في روايتها الأخيرة "قبل أن تنام الملكة"، بل بالألمعية الأدبية التي ميّزت كتابتها منذ انطلقت في مطلع التسعينيات.

 

فضاءات عدة اختبرتها، ليس على صعيد المكان فحسب، فكانت الكويت والأردن والإمارات، و وطن لا تنفك ترحل إليه من دون أن ترحل إليه، ولا بمعاقرتها بالكفاءة ذاتها لغتين، ولا بحقول عملها التي تنوّعت بين التدريس والترجمة والكتابة الإبداعية، بل وبتنقّلها بخفة بين أجناس أدبية عدة من قصة قصيرة إلى رواية إلى ترجمات، وإلى ما يشبه السيرة الذاتية.

 

لغة حبايب التي تضمّ في ثناياها الكثير من المصطلحات الشعبية والفلاحية، بل والشتائم وأسماء الأعضاء إن لزم الأمر، تبوح عنها الكثير؛ إذ في الوقت الذي تصرّ فيه على التلقائية، بل وتتحرّاها بشكل يبدو واضحا في مقاطع عدة، فإنها تزخر بفكر غزير، أكبر ربما من حدود ما يحتمله الورق، وأكثر مما تملك قراءة واحدة لعمل ما الإحاطة به.

 

ليس على الصعيد الآنف وحده تحضر حبايب في كتابتها، ولا فقط من خلال حالة التجلي التي تتلبّسها طوال أشهر تحضير عملها، بل وفي جرأتها على الإمساك بيد القارئ لتصحبه نحو عوالمها الذاتية وتاريخ حياتها، مُسلِمةً إياه تارة لإشارات تُبعد الحكاية عنها كمن يدرء شبهة ما، وتارة أخرى لإشارات تجعله يستبدل دونما وعي اسم البطلة باسمها هي.

 

وكثيرا ما اختبأت حبايب وراء شخصياتها التي تشرّحها بمبضع جرّاح، مراقبة إياها حتى في أكثر لحظاتها حميمية أو شيطانية، ومتوارية خلف ستار الراوي أو المشارِك في الحدث بناظره فقط، ربما تنصلا من واقع ما كان بالإمكان تخفيف وطأة قسوته، أو للتبرؤ من هنّات البسطاء المُستعرَضة عبر صفحاتها بكوميدية سوداء.

 

ليست الكتابة بالنسبة لها عملا تاريخيا، وإن تمحورت حول فلسطين؛ إذ لم يحدث أن سقطت حبايب في فخ التأريخ للأحداث كما حدث لدى أديبات تناولن "الحالة الفلسطينية" كما وصفتها ذات مرة، بل هي لطالما أوغلت في الفلسطيني الخائف، والمرتبك، والمأزوم، والصامد بإرادته أو رغما عنه، والمصرّ على الأمل حتى حين يفقده، والمتبلد في أحيان، والانتهازي في أحيان أخرى، ليكون الحدث التاريخي حاضنا لتلك الأطياف النفسية الكثيرة، لا مستخدِما لها كأدوات تجميلية للكتابة التاريخية الجافة.

 

ليست حبايب من تلك الفئة الشغوفة باعتلاء المنابر، لا في الواقع ولا في عالم الصفحات؛ إذ طوال تمترسها خلف "المايكروفون"، في حفل توقيع نتاجها، تتحاشى النظر مباشرة في عينيّ الكاميرا، بل هي تفرّ منها لتنظر نحو من يقدّمها ويقدّم رؤية نقدية لعملها، وكأنما ما زالت تلك التلميذة المبتدئة التي تتحرّق لسماع نتيجتها في امتحان تقدمت إليه، تماما كما تفعل حين تكتب؛ إذ ليست هناك وعظية في الطرح، ولا تقيّد بشروط المجتمع الخشبية على صعيديّ اللغة والوقائع، ولا حتى انصياع لنموذج الخطاب الفلسطيني الإبداعي الذي ما تزال شريحة عريضة من الجمهور تترقّبه بالنَفَس الخطابي التعبوي ذاته وبالطرح المباشر الذي كثيرا ما يضحّي بالرمزية، لضمان وصول الفكرة دونما نقصان، ربما.

 

ثمة فلسفة نسوية خاصة لدى حزامة.. كالكيمياء يُرى أثر تفاعلها فقط؛ إذ هي من تملك فهما لا لُبس فيه بين الكتابة النسائية والكتابة النسوية، وبين الأخيرة وأدب "الإيروتيك" الذي تقع في فخه كثير من كاتبات الحقل النسوي، عن قصد أو من دونه. في حين لا تتورّع حزامة عن طرق "التابوهات" كلها، وعلى رأسها الجنس، دونما تحرّج، ولكن ضمن سياق ما يتطلبه الحدث وما تستدعيه الحبكة وما يعكس الواقع ويرتبط بشكل أو بآخر بالثيمة السياسية والإنسانية.

 

المرأة في صفحات حزامة منكسرة وتنكسر بإرادتها في مرات، ومظلومة وتستمرئ الظلم في مرات أيضا بل وتمارسه، وهي لا تتقوقع على نفسها أو تبكي كثيرا وراء الباب أو بجانب السرير، بل تبتكر طُرقها في التنفيس؛ إذ تارة تلوك نسوة الجيران بلسانها السليط وذمتها الواسعة رغم كون معاناتهن تختلف بتفاصيل صغيرة فقط، وتارة تُطبق بذراعيها على عنق زوجها الذي يفتقر للباقة والحيوية لتخنقه و"تخلص منه" لولا أن أبناءها يحولون دون ذلك، وتارة أخرى تنتقم لنفسها فتُقسم "بألا ترى رجلا يهددها بصنع الذكريات"، بحسب وصف الراحل محمود درويش في إحدى قصائده.

 

"أصل الهوى".. "قبل أن تنام الملكة".. "الرجل الذي يتكرر".. "التفاحات البعيدة".. وغيرها من نتاج أدبي برائحة التراب الذي أغرقه المطر، وليس بللّه فحسب، لا تكفي، البتة، لسبر غور قامة فلسطينية بحجم حزامة حبايب

إضافة تعليق جديد

سؤال تأكيدي

هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا حقيقياً ولمنع المنشورات الآلية.

Image CAPTCHA